عمر فروخ

662

تاريخ الأدب العربي

وأنت امرؤ ، يا ذئب ، والغدر كنتما * أخيّين كانا أرضعا بلبان « 1 » . ولو غيرنا نبّهت تلتمس القرى * أتاك بسهم أو شباة سنان « 2 » . وكل رفيقي كلّ رحل - وإن هما * تعاطى القنا قوماهما - أخوان » « 3 » . - حجّ هشام بن عبد الملك في خلافة الوليد أخيه ومعه رؤساء أهل الشام ، فجهد ليستلم الحجر ( الأسود ) فلم يقدر من ازدحام الناس . فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الناس . وأقبل علي بن الحسين فطاف بالبيت فلما بلغ الحجر الأسود تنحى الناس كلهم وأخلوا له الحجر ليستلمه هيبة وإجلالا له . فقال رجل لهشام : من هذا ، أصلح اللّه الأمير ؟ قال : لا أعرفه ، وكان به عارفا ، ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام ويسمعوا منه . فقال الفرزدق ، وكان لذلك كله حاضرا : أنا أعرفه . ثم قال : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ، * والبيت يعرفه والحلّ والحرم « 4 » . هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله ، * بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا « 5 » . وليس قولك : « من هذا ؟ » بضائره ؛ * العرب تعرف من أنكرت والعجم . ما قال : « لا » قطّ إلّا في تشهّده ؛ * لولا التشهد كانت لاؤه نعم « 6 » ! يغضي « 7 » حياء ويغضى من مهابته * فما يكلّم إلّا حين يبتسم . يكاد يمسكه - عرفان راحته - * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم « 8 » .

--> ( 1 ) اللبان ( بفتح اللام ) : الثدي ؛ ( وبالكسر ) : الرضاع ، اللبن . - يقول : كنت ، يا ذئب ، أنت والغدر أخوين صغيرين ورضعتما من ثدي واحد ( الغدر ) فالغدر طبع لك ( رضعته مع الحليب ) . ( 2 ) الشباة : نصل الرمح . - لو طلبت ضيافة غيرنا في الليل لقتلك . ( 3 ) كل رفيقين في السفر صديقان ، وان كان شعباهما عدوين . ( 4 ) البطحاء : أرض مكة . وطأته : سيره على الأرض . البيت : الكعبة . الحل : السنة ما عدا موسم الحج . الحرم : موسم الحج ، حينما يحرم الناس فينقطعون عن كل شيء إلا العبادة . - المعنى : كل الناس يعرفون هذا الذي تسأل عنه وكل الأشياء تعرفه . ( 5 ) فاطمة بنت محمد رسول اللّه . بجده أنبياء اللّه قد ختموا : جده أفضل الأنبياء ، ولا نبي بعده . ( 6 ) التشهد قراءة التحيات في جلوس الصلاة ، وفيها : اشهد ان « لا » اله إلا اللّه . - لا يقول « لا » إلا في التشهد : يجيب الناس إلى كل ما يطلبون كرما منه وحسن أخلاق . ( 7 ) أغضى : غض من بصره . راجع ص 635 ، الحاشية 1 ، وص 636 السطر الأول . ( 8 ) الحطيم : جانب الكعبة حيث يوجد الحجر الأسود . استلم : الحجر الأسود : قبله . - حتى الحجر الأسود يعرفه : فإذا جاء ليقبله أمسك براحته لأنه يعرفها ( يفهم من هذا البيت ان الاستلام هو المس بالكف . ويمكن أن يكون هذا من الأدلة على أن القصيدة ليست للفرزدق ، لأن الفرزدق لا يمكن أن يجهل ان الاستلام هو التقبيل بالفم لا الأخذ باليد ، كما أصبح معنى الكلمة في الأعصر المتأخرة ) .